♥ بـسـم الله الـرحمـن الـرحـيـم ♥
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُ بِهِ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَسْتَنْصِرُه
وَ نَعُوذُ بِالْلهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
مَنْ يَهْدِهِ الْلهُ تَعَالَى فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الْلهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، صَلَّى الْلهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا
ريان شرقي وقبعة نابليون
بعد فوز فرنسا على باراغواي بهدف دون مقابل في ثمن نهائي مونديال 2026، ظهر ريان شرقي، الدولي الفرنسي ذو الأصول الجزائرية، وهو يعتمر قبعة نابليون بونابرت وسط احتفالات زملائه. صورة واحدة كانت كافية لإشعال نقاش واسع في الجزائر، ليس بسبب القبعة في حد ذاتها، بل بسبب توقيتها.
إقرأ أيضا: فتح باب الترشح لوكالات السياحة لتنظيم موسم الحج 1448هـ.. آجال التسجيل وإيداع الملفات
فالصورة لم تظهر من فراغ، بل جاءت في قلب أيام شهدت تصاعدا لافتا للحديث، في أوساط جزائرية ووسائل تواصل اجتماعي، عن “ندم” مفترض يساور اللاعب على اختياره تمثيل فرنسا بدل الجزائر.
وهنا بالضبط تكمن القراءة الأكثر إثارة لهذا المشهد، إذ يبدو أن شرقي، عن قصد أو بلا قصد، اختار تلك اللحظة بالذات ليوجه رسالة واضحة إلى كل من راهن على تردده.
فحين يظهر لاعب من أصول جزائرية بأحد أكثر الرموز العسكرية الفرنسية حضورا في الذاكرة الجماعية، وسط احتفال جماهيري صاخب بعد فوز رسمي في مونديال، تصعب المراوغة مع الرسالة الضمنية التي يحملها المشهد.
فاللاعب لا يتردد، ولا يخالجه أي حنين قد يدفعه يوما إلى إعادة النظر في قراره، بل يقف بارتياح تام تحت الراية الفرنسية، حتى وإن كان الرمز الذي اختاره من أثقل الرموز التي يمكن لجزائري أن يرفعها.
ولو أراد شرقي أن يُبعد عن نفسه شبهة التردد أو الحنين، لما وجد رمزا أكثر حسما من قبعة نابليون، فهي لا تقول فقط إنه فرنسي، بل تقول إنه فخور بذلك حتى في أكثر تجلياته إثارة للجدل.
وهذا بالضبط ما يمنح الواقعة بعدها الحقيقي، فلو كانت القبعة قد ظهرت في سياق آخر بعيدا عن أي حديث سابق عن الندم، لكانت مرت على الأرجح كمزحة رياضية بريئة بين زملاء فريق، تماما كما أوضح اللاعب نفسه حين قال إن “نابليون” مجرد لقب يطلقه عليه رفاقه في المنتخب.
لكن اجتماع الرمز مع التوقيت هو ما حوّل مزحة الاحتفال إلى ما يشبه بيانا هوياتيا غير معلن، فبدت الصورة وكأنها رد فعل غير مباشر على من يشككون في صدق انتمائه لفرنسا، ومحاولة لإغلاق الباب أمام أي تأويل يوحي بأن قلبه ما زال معلقا بخيار آخر.
غير أن هذه القراءة، مهما بدت منطقية، تصطدم بمفارقة لا يمكن تجاوزها، ذلك أن الرمز الذي اختاره شرقي، سواء بوعي أو بلا وعي، ليس رمزا محايدا في الجزائر.
صحيح أن الغزو الفرنسي للجزائر بدأ سنة 1830، أي بعد رحيل نابليون بتسع سنوات، لكن قبعته صارت بمرور الزمن أيقونة بصرية للنزعة التوسعية الفرنسية، وارتبطت بالمركزية العسكرية التي أسست لثقافة الغزو التي طبعت فرنسا في القرن التاسع عشر.
وفي بلد عاش استعمارا استيطانيا طويلا بين 1830 و1962، قام على نزع الأراضي والتمييز والتهجير والقمع العسكري، لا يمكن لأي زي عسكري فرنسي أن يُقرأ بوصفه مجرد موضة، حتى لو كان القصد منه توجيه رسالة شخصية بحتة لا علاقة لها بالتاريخ الاستعماري.
وبعبارة أخرى، إن كان شرقي يريد فعلا أن يقول للجزائريين إنه حسم خياره ولا ندم لديه، فقد اختار لذلك أسوأ وسيلة ممكنة، لأنه استخدم رمزا يعيد فتح جراح أعمق بكثير من مجرد جدل حول قرار رياضي فردي.
ويزيد المشهد تعقيدا أن شرقي نفسه ربط، في تصريحات عقب المباراة، بين هذه الأجواء الاحتفالية وحديثه عن استعداد فرنسا لـ”الحرب” حين تواجه منافسين يعتمدون القوة والاحتكاك، وهو ما منح الصورة بعدا عسكريا مضاعفا لم يكن ليحمله ظهور القبعة وحدها.
وسواء كان هذا الربط مقصودا أو غير مقصود، فقد عزز لدى كثير من المتابعين الجزائريين الانطباع بأن اللاعب لا يكتفي بحسم خياره، بل يبدو وكأنه يفعل ذلك بلهجة تصعيدية تجاه كل من ينتظر منه غير ذلك.
وفي النهاية، قد لا يكون ريان شرقي فكر لحظة في كل هذه الطبقات حين ارتدى تلك القبعة، وقد يكون الأمر بالفعل مجرد لقب ودّي بين زملاء فريق فاز للتو بمباراة كبرى. لكن في عالم تنتشر فيه الصور بسرعة أكبر من سرعة النوايا، لم يعد يهم كثيرا ما قصده صاحب الصورة، بقدر ما يهم كيف تُقرأ.
إقرأ أيضا: شبيبة القبائل تعيّن بلحوسين مدربًا رئيسيًا للفريق الأول
وإذا كانت هذه القبعة قصدت فعلا أن تكون رسالة إلى الجزائريين بأن لا مكان للندم في قلب صاحبها، فقد نجحت على الأقل في إثبات أن كل اختيار فردي لأبناء المهاجرين، مهما بدا بسيطا، سيظل محكوما بقراءة جماعية تتجاوز إرادة صاحبه، وبثقل تاريخي لا يُنسى بسهولة، حتى لو مرت عليه قرون.









0 تعليق على موضوع : ريان شرقي وقبعة نابليون
يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق
● أن لا تضع أي روابط خارجية
● أن يكون التعليق خاص بمحتوى التدوينة
● أي سؤال خارج محتوى التدوينة يرجى تواصل معنا : من هنا
● يمكنك تعليق بإستخدام صور ✋👇👆👍👎✋
● (( "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ))