♥ بـسـم الله الـرحمـن الـرحـيـم ♥
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُ بِهِ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَسْتَنْصِرُه
وَ نَعُوذُ بِالْلهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
مَنْ يَهْدِهِ الْلهُ تَعَالَى فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الْلهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، صَلَّى الْلهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا
الجزائر تستعيد زمام المبادرة في الساحل
لم يعد حضور الجزائر في منطقة الساحل مقتصراً على الوساطة الدبلوماسية أو المبادرات السياسية والاقتصادية. بعدما أظهرت التطورات الأخيرة استعداداً أكبر لاستخدام أدوات أمنية وعسكرية لحماية مصالحها ومساندة الدول المجاورة في مواجهة الاضطرابات المتصاعدة.
إقرأ أيضا: المنتخب الوطني يقلب الطاولة على النيجر وينهي التوقف الدولي بانتصار
وهو التحول الذي توقفت عنده صحيفة “فاينانشل تايمز” في تقرير حمل عنوان “الجزائر تستعرض قوتها في الصحراء”. معتبرة أن الجزائر أصبحت أكثر حزماً في ممارسة نفوذها داخل منطقة الساحل.
ويضع التقرير هذا التحول في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه التهديدات الأمنية مع المنافسة على طرق التجارة والطاقة والنفوذ السياسي. بينما تجد الجزائر نفسها أمام حدود جنوبية تشهد تنامي نشاط الجماعات المسلحة وتراجع قدرة بعض دول المنطقة على ضبط أراضيها.
وفي هذا السياق، لم تعد المقاربة الجزائرية تقوم على الاكتفاء بمراقبة ما يجري على مقربة من حدودها، وإنما على محاولة التأثير في مسار الأحداث قبل أن تتحول تداعياتها إلى تهديد مباشر لأمنها.
وتبرز أهمية هذا التحول في كونه يجمع، وفق التقرير، بين المسارات التي اعتمدتها الجزائر تقليدياً في علاقاتها مع دول الساحل. من الحوار والوساطة والتعاون الاقتصادي، وبين حضور أمني أكثر وضوحاً.
النيجر.. حين أصبح الأمن جزءاً من الشراكة
كان التطور الأبرز في هذا المسار هو إرسال الجزائر طائرات حربية إلى النيجر عقب محاولة انقلاب فاشلة هددت، لفترة وجيزة، مسار التقارب بين البلدين. ووفق “فاينانشل تايمز”.
شكلت هذه الخطوة خروجاً واضحاً عن عقيدة عدم التدخل التي طبعت السياسة الجزائرية لعقود، إذ لم تكن الجزائر قد نفذت انتشاراً عسكرياً خارجياً بهذه الصراحة منذ عام 1973.
ولم يكن التحرك منفصلاً عن المصالح التي أعادت الجزائر بناءها مع نيامي. فقد كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت تطوراً في الفترة الأخيرة.
بالتوازي مع مشاريع طموحة في مجالات الطاقة والكهرباء، فضلاً عن مشروع أنبوب الغاز الذي يعبر النيجر باتجاه نيجيريا. ومن هذه الزاوية، جاء التحرك الجزائري للحفاظ على مسار سياسي واقتصادي كانت الجزائر قد استثمرت فيه خلال الفترة الماضية.
ويشير التقرير إلى أن المقاتلات الجزائرية من طراز “سو-30” أمضت عدة أيام في النيجر قبل سحبها إلى جنوب الجزائر. كما يذكر أن الجزائر قدمت للنيجر عدة مروحيات هجومية في أوت.
وبذلك ظهر الجانب الأمني إلى جانب التعاون السياسي والاقتصادي باعتباره أحد مكونات العلاقة الجديدة مع نيامي.
الساحل.. أمن الحدود يبدأ من استقرار الجوار
تقرأ الجزائر التطورات المتسارعة في مالي والنيجر من زاوية أمنية ترتبط مباشرة بحدودها الجنوبية. فقد أدى تصاعد نشاط الجماعات الجهادية، إلى جانب الهجمات التي شهدتها مالي، إلى تزايد المخاوف من توسع رقعة عدم الاستقرار واقترابها من المجال الحدودي الجزائري.
ويشير تقرير “فاينانشل تايمز” إلى أن الهجوم الذي شنه مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة في أواخر أفريل، بالتزامن مع مقاتلين من الطوارق الانفصاليين
أدى إلى طرد القوات الروسية والمالية من مساحات واسعة في شمال مالي المحاذي للجزائر. وأثار ذلك مخاوف جزائرية من استفادة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب من الوضع الأمني المتدهور للتحرك باتجاه الحدود الجزائرية.
ولا يتوقف القلق الجزائري عند حركة الجماعات المسلحة، إذ يشير التقرير أيضاً إلى التخوف من انتقال الأفكار الانفصالية إلى الطوارق الجزائريين.
بحكم امتداد القبائل نفسها على جانبي الحدود. ولهذا طرح الرئيس عبد المجيد تبون إمكانية الوساطة الجزائرية في قضية الطوارق إذا طلبت باماكو ذلك، مؤكداً أن معالجة هذه المسألة ينبغي أن تقوم على “العقل لا السلاح”
بهذا المعنى، تبدو المقاربة الجزائرية، كما يعرضها التقرير، قائمة على محاولة الجمع بين مكافحة الإرهاب، والحفاظ على وحدة دول الجوار وفتح قنوات سياسية لمعالجة النزاعات التي يمكن أن تتحول إلى مصادر دائمة لعدم الاستقرار.
الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد سنوات التوتر
التحرك الأمني الجزائري في النيجر لم يأتِ بديلاً عن الدبلوماسية، بل تزامن معها. فقد كانت الجزائر قد بدأت، قبل إرسال الطائرات، في إعادة بناء علاقاتها مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بعد مرحلة من التوتر أعقبت الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة.
وكانت العلاقات الجزائرية المالية قد وصلت إلى مرحلة صعبة في 2025 بعد إسقاط الجزائر طائرة مسيّرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي. قبل أن يغلق البلدان مجالهما الجوي أمام بعضهما ويستدعيا سفيريهما. غير أن الجزائر عادت في جويلية إلى تطبيع علاقاتها مع مالي، بالتوازي مع استمرار انفتاحها على النيجر.
ويقدم التقرير هذه العودة باعتبارها جزءاً من محاولة جزائرية لاستعادة التواصل مع عواصم الساحل، بعدما أدت القطيعة إلى تراجع مساحة التأثير الجزائري في المنطقة. وفي هذا المسار، لا تقتصر الأدوات الجزائرية على السياسة، بل تمتد إلى الطاقة والكهرباء والاستثمارات ومشاريع البنية التحتية.
الطاقة تفتح للجزائر طريقاً جديداً نحو غرب إفريقيا
يحظى البعد الاقتصادي بمكانة أساسية في التحرك الجزائري. فإلى جانب مشاريع الطاقة والكهرباء مع النيجر، تبرز أهمية مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
الذي يمر عبر النيجر وصولاً إلى نيجيريا، باعتباره أحد المشاريع الكبرى التي تربط الجزائر بعمقها الإفريقي. ويشير تقرير “فاينانشل تايمز” إلى أن المشروع تبلغ قيمته مليارات الدولارات.
ويعني استمرار هذه المشاريع أن العلاقة مع دول الساحل لا تُبنى على الاعتبارات الأمنية وحدها، وإنما على شبكة من المصالح الاقتصادية طويلة الأمد. وفي الحالة النيجرية تحديداً.
تتقاطع الطاقة مع الأمن والتجارة والاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل الحفاظ على العلاقات مع نيامي جزءاً من حسابات الجزائر الأوسع في المنطقة. ومن هنا جاء إدخال المكوّن الأمني إلى العلاقة، وفق قراءة التقرير، باعتباره مكملاً للمكوّن السياسي والاقتصادي، وليس بديلاً عنه.
المغرب في الحسابات الجزائرية
ويحضر المغرب في حسابات الجزائر باعتباره أحد الأطراف التي تنافسها على النفوذ في غرب إفريقيا، في وقت تتجه فيه الرباط إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
بما يفرض على الجزائر متابعة التحولات التي تمس مصالحها وموقعها في محيطها الإفريقي. ويربط تقرير “فاينانشل تايمز” هذا التنافس خصوصاً بملفات الطاقة والتجارة والممرات التي تربط شمال إفريقيا بغرب القارة.
ويضع التقرير هذا التنافس في سياق الخلاف حول الصحراء الغربية، التي تشكل إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية الجزائرية. كما يشير إلى الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب المزعومة على الإقليم المتنازع عليه عام 2020، وما أعقبه من تطبيع الرباط علاقاتها مع الكيان الصهيوني.
وتتعامل الجزائر مع هذا التطور باعتباره عاملاً إضافياً في تعقيد البيئة الإقليمية المحيطة بها، خصوصاً مع تنامي التعاون العسكري والاستخباراتي بين المغرب والكيان الصهيوني، وفق ما ينقله التقرير.
ومن هذه الزاوية، لا تنظر الجزائر إلى تحركات الرباط في غرب إفريقيا بمعزل عن التطورات الأمنية والاستراتيجية المحيطة بها، بل تضعها ضمن بيئة إقليمية تتطلب منها تعزيز حضورها المباشر وعلاقاتها مع دول الساحل. وعدم ترك المجال مفتوحاً أمام تحولات قد تؤثر في مصالحها أو في موقعها داخل المنطقة.
الحضور الجزائري في مواجهة النموذج الروسي
لا تقتصر المنافسة في الساحل على القوى المغاربية، إذ يبرز الحضور الروسي باعتباره أحد أهم عناصر المشهد الجديد. فروسيا تمتلك، وفق التقرير، آلاف العناصر شبه العسكرية في مالي، إلى جانب وجود أصغر في النيجر وبوركينا فاسو، ما يجعلها صاحبة أكبر حضور عسكري في المنطقة.
وتقول “فاينانشل تايمز” إن الجزائر لم تكن مرتاحة تاريخياً إلى الحضور الروسي شبه العسكري القوي، الذي ترى أنه ساهم في نشر حالة من الفوضى.
وفي المقابل،تقدم الجزائر تدخلها في النيجر باعتباره نموذجاً مختلفاً في التعامل مع دول المنطقة، وأكثر احتراماً لسيادتها.
ويشير دبلوماسي في نيامي إلى أن الجزائر تحاول إبراز الأخطاء التي ارتكبتها روسيا، مضيفاً أن موسكو، المثقلة بالمهام، قد ترحب بتعزيز الحضور الجزائري في المنطقة.
وهكذا يظهر الحضور الجزائري في الساحل ضمن بيئة تتنافس فيها مقاربات متعددة، فيما تحاول الجزائر تقديم حضورها باعتباره قائماً على مزيج من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
من النفوذ الدبلوماسي إلى هامش أوسع للحركة
لا يحسم تقرير “فاينانشل تايمز” ما إذا كان إرسال المقاتلات إلى النيجر يمثل إجراءً استثنائياً فرضته الظروف، أم أنه بداية تحول أوسع في العقيدة الجزائرية.
لكنه يشير إلى أن الخطوة وسّعت، على الأقل، قائمة الخيارات التي يمكن للجزائر التفكير فيها مستقبلاً. وهذا التحول يتزامن مع عودة الجزائر إلى التواصل مع دول الساحل، وتوسيع مشاريع الطاقة، واستعادة العلاقات مع مالي.
إقرأ أيضا: جامعة جزائرية تعرض ابتكارات تكنولوجية واعدة في معرض NAPEC 2026
إلى جانب استعدادها للوساطة في القضايا الإقليمية، ومساندة دول الجوار في مواجهة الجماعات المسلحة. وفي المحصلة، يعرض التقرير مرحلة تتسع فيها أدوات الجزائر في محيطها الإفريقي، من الدبلوماسية والوساطة إلى الطاقة والتعاون الاقتصادي، وصولاً إلى الحضور الأمني عندما ترى أن التطورات المحيطة بها تمس مصالحها مباشرة.
وهو تحول لا يقدم التقرير إجابة نهائية بشأن مداه، لكنه يضعه ضمن مسار عودة الجزائر إلى موقع أكثر حضوراً في معادلات الساحل والصحراء.









0 تعليق على موضوع : الجزائر تستعيد زمام المبادرة في الساحل
يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق
● أن لا تضع أي روابط خارجية
● أن يكون التعليق خاص بمحتوى التدوينة
● أي سؤال خارج محتوى التدوينة يرجى تواصل معنا : من هنا
● يمكنك تعليق بإستخدام صور ✋👇👆👍👎✋
● (( "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ))