♥ بـسـم الله الـرحمـن الـرحـيـم ♥
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُ بِهِ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَسْتَنْصِرُه
وَ نَعُوذُ بِالْلهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
مَنْ يَهْدِهِ الْلهُ تَعَالَى فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الْلهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، صَلَّى الْلهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا
هل دخلت العلاقات الأمريكية-المغربية مرحلة المراجعة؟
في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية قاعدة ثابتة لم تتخلَّ عنها واشنطن أبداً؛ مقتل جنودها في الخارج ليس حدثاً عابراً، سواء كان الطرف الآخر صديقاً أم خصماً.
إقرأ أيضا: كان 2026.. شبان الخضر يفتتحون مشوارهم بمواجهة غانا ويستهدفون انطلاقة موفقة
الحادث الذي وقع في كاب درعة المغربية ليلة الثاني من ماي 2026، حين فقد جنديان أمريكيان حياتهما على أرض حليف خلال مناورات “الأسد الإفريقي 2026”. يضع هذا المبدأ أمام اختبار مباشر، ويطرح السؤال المحوري الذي بات يشغل دوائر الاستراتيجيين والمحللين العسكريين على ضفتَي الأطلسي:
هل ستعيد واشنطن ضبط علاقتها مع الرباط بعد هذا الحادث؟
ويرى متابعون للعقيدة الأمنية الأمريكية أن أخطر ما في الحادث ليس عدد الضحايا، بل وقوعه داخل فضاء يُفترض أنه تابع لدولة حليفة. ففي الحسابات الأمريكية، الخطأ داخل أراضي الخصوم مفهوم، أما داخل أراضي الشركاء فيُعامل كمؤشر خلل استراتيجي يستوجب المراجعة.
● فقدان الثقة في المنظومة الأمنية المغربية
يرى خبراء في الشؤون العسكرية والأمن الدولي أن الحادثة لا تُقاس فقط بالخسارة البشرية المؤلمة، بل بما تكشفه من ثغرات في منظومة الإشراف الميداني. فالجنديان لم يسقطا خلال تدريب رسمي، بل في منطقة كان يفترض أنها خاضعة للإشراف والتأمين من الطرف المضيف.
وهو ما يجعل قيادة أفريكوم، وفق هؤلاء الخبراء، في موقف يستوجب إعادة تقييم جدية لمستوى الثقة بالإجراءات الميدانية للمؤسسة العسكرية المغربية.
ويلفت مراقبون للشأن الأمريكي-الإفريقي إلى أن ذاكرة البنتاغون لا تنسى، مستدلين بما أعقب مقتل أربعة جنود أمريكيين في النيجر عام 2017 من زلزال داخل لجان الكونغرس وما رتّبه من مراجعات جذرية لشروط الانتشار الأمريكي في إفريقيا. ويؤكدون أن ما جرى في المغرب لن يكون استثناءً من هذه القاعدة.
وفي هذا الخصوص، أشار خبراء أمنيون إلى إلى أن واشنطن أصبحت، منذ هجمات 11 سبتمبر، أكثر حساسية تجاه سلامة جنودها في البيئات الخارجية، حتى داخل الدول الحليفة، ما جعل معايير الثقة العسكرية أكثر صرامة وأقل خضوعاً للمجاملات السياسية التقليدية.
● استجواب الضباط المغاربة: رسالة سيادية بالغة الحساسية
تُعدّ من أكثر النقاط حساسية في هذا الملف، وفق مصادر متابعة للتحقيقات الجارية، ما أُشير إليه من استجواب المحققين الأمريكيين لضباط مغاربة كبار، يُقال إن من بينهم قائد الناحية العسكرية التي وقع فيها الحادث.
ويرى خبراء في القانون الدولي والدبلوماسية العسكرية أن مثل هذا الإجراء، إن ثبت بالصورة المتداولة، ينطوي على رسالة بالغة الدلالة، مفادها أن واشنطن تعتبر نفسها مخوّلة للوصول إلى المسؤولين والمواقع بصورة مستقلة حتى على أرض حليف.
ويحذر هؤلاء من أن هذا المسار، إذا ما تكرّس كسابقة، يضع الرباط أمام معادلة بالغة التعقيد في الموازنة بين متطلبات التحالف من جهة، والاحتفاظ بمبدأ السيادة الكاملة على أراضيها من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد يعتبر مختصون في العلاقات الدولية أن الحوادث العسكرية الكبرى غالباً ما تكشف الحدود الحقيقية لسيادة الدول الصغيرة والمتوسطة داخل التحالفات الأمنية مع القوى الكبرى، حيث تتقدم اعتبارات الأمن الأمريكي على البروتوكولات السيادية الكلاسيكية.
● العمليات الأمريكية في المياه الإقليمية المغربية!
و يلاحظ مراقبون عسكريون أن واشنطن لم تكتفِ بمتابعة التحقيق داخل القاعدة، بل أطلقت آلتها العسكرية الثقيلة على الأراضي والمياه المغربية؛ إذ استعانت بطائرة مراقبة بحرية من طراز P-8 Poseidon قادمة من قاعدة سيغونيلا الإيطالية، ونشرت طائرات مسيّرة ووحدات غوص متخصصة في عرض البحر الإقليمي المغربي.
ويُفسّر هؤلاء المراقبون هذا الانتشار المكثف بوصفه ليس مجرد عملية إنقاذ، بل تجسيداً عملياً لمبدأ أمريكي راسخ يقضي بأن حماية الجنود مقدَّمة على كل اعتبار آخر، بما فيها التوازنات السيادية التقليدية مع الحلفاء.
كما يعكس أيضا هذا السلوك تحوّلاً أعمق في العقيدة العملياتية الأمريكية، يقوم على تقليص الاعتماد الكامل على الجيوش المحلية، مقابل توسيع هامش التدخل الأمريكي المباشر عند وقوع الأزمات أو الحوادث الحساسة.
● اتفاقية بعمر أسبوعين تواجه اختبار الدم
يستوقف الخبراء الاستراتيجيين توقيت الحادث أكثر من الحادث ذاته؛ فقبل أسبوعين فحسب من مقتل الجنديين، كان الطرفان قد وقّعا اتفاقية تعاون عسكري جديدة لعشر سنوات، كان يُفترض أن تُشكّل انطلاقة لمرحلة من الثقة المتجددة والتعاون المعمّق.
وبحسب ذات المتابعين فان توقيت الحادث منح الاتفاقية الجديدة بعداً مختلفاً؛ فبدلاً من أن تُقرأ كإطار لتوسيع الشراكة، باتت تُقرأ أيضاً كوثيقة ستُختبر من خلالها حدود الثقة الأمنية المتبادلة بين الطرفين.
وبالتالي ، فان الاتفاقية باتت تواجه اختباراً مبكراً يمسّ صميم بنودها، إذ تبرز تساؤلات جوهرية لم تجد إجابات واضحة بعد: ما آليات المساءلة المتبادلة حين يُقتل جندي أمريكي على أرض الحليف؟ وما حدود إشراف واشنطن على بيئات التدريب التي يُهيّئها الطرف المضيف؟
وتكتسب هذه التساؤلات ثقلاً أكبر، وفق هؤلاء المحللين، في ضوء أن جلسات استماع الكونغرس التي تُعقد حتماً في أعقاب كل حادث يقضى فيه عسكريون أمريكيون ستجعل من ملف كاب درعة مرجعاً ثابتاً في كل نقاش مستقبلي حول شروط التعاون مع الرباط.
● مناورات الأسد الإفريقي: ما بعد الدورة 22 لن يكون كما قبلها
يستحضر خبراء الشؤون الإفريقية حادثة مروحية الأوسبري عام 2012 قرب أغادير، التي راح فيها جنديان من مشاة البحرية الأمريكية خلال نسخة سابقة من المناورات ذاتها، وما تبعها من مراجعات تشغيلية.
ويؤكدون أن ما جرى هذه المرة أشد تعقيداً من الناحية القانونية والعملياتية، لأن الحادث وقع خارج إطار التدريب الرسمي وفي منطقة يتحمل الطرف المضيف مسؤولية تأمينها.
وبناءً على ذلك، يتوقع هؤلاء أن تُدرج واشنطن جملةً من الاشتراطات الجديدة قبل الموافقة على الدورة الثالثة والعشرين، على غرار تأمين المناطق المحيطة بمنشآت التدريب، وتحديد صارم لنطاق تحرك الجنود الأمريكيين خارج أوقات المهام، فضلاً عن توسيع صلاحيات المحققين الأمريكيين في الوصول المستقل إلى مواقع الحوادث.
ويخشى ذات الخبراء أن يؤدي هذا التوجه مستقبلاً إلى تحويل المناورات المشتركة من فضاءات تعاون متكافئ إلى بيئات تخضع تدريجياً لإشراف أمريكي أكثر تشدداً من الناحية العملياتية والأمنية.
● شراكة ستُعاد صياغتها
في العمق، لا يتعلق الأمر بحادث ميداني معزول بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف قواعد الشراكة العسكرية نفسها. فواشنطن حين تفقد جنوداً، تبدأ تلقائياً في مراجعة كل شيء: العقيدة، والبيئة، والحليف، وحتى فلسفة التعاون القائمة منذ سنوات.
ولذلك يجمع المراقبون والخبراء على أن الشراكة الأمريكية-المغربية ورغم أهميتها، إلا أنها لن تعود إلى ما كانت عليه قبل ليلة الثاني من ماي. فعودة الجثمانين بعد أحد عشر يوماً من البحث المضني في مياه المحيط الأطلسي ستظل محفورة في ذاكرة للبنتاغون والكونغرس على حدٍّ سواء.
إقرأ أيضا: التقاعد في الجزائر: دعوة عاجلة لمواليد شهر ماي
والمفاوضون الذين سيجلسون لتفعيل بنود الاتفاقية سيحملون معهم ملف كاب درعة ـ لن يُصرَّح به دائماًـ ، لكنه سيكون حاضراً في كل تفصيل، وسيُشكّل شراكة أكثر تقييداً وأقل مرونة، وأعلى سقفاً في اشتراطات الأمان وآليات المساءلة.









0 تعليق على موضوع : هل دخلت العلاقات الأمريكية-المغربية مرحلة المراجعة؟
يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق
● أن لا تضع أي روابط خارجية
● أن يكون التعليق خاص بمحتوى التدوينة
● أي سؤال خارج محتوى التدوينة يرجى تواصل معنا : من هنا
● يمكنك تعليق بإستخدام صور ✋👇👆👍👎✋
● (( "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ))