-->
صفحة المحترف صفحة المحترف
موقع صفحة المحترف
موقع صفحة المحترف
تــــــــحــمــــيل جــــــــــــميع اصــــــــــــدارات الاوديـــــــــــن Samsung Odin
Samsung Odin | Search Ads
sponsored by: pageprodz

recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

“لا تجعلونا نندم”: الرسالة الجزائرية الأخيرة قبل القطيعة التامة

بـسـم الله الـرحمـن الـرحـيـم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُ بِهِ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَسْتَنْصِرُه
وَ نَعُوذُ بِالْلهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
مَنْ يَهْدِهِ الْلهُ تَعَالَى فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الْلهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، صَلَّى الْلهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا


“لا تجعلونا نندم”: الرسالة الجزائرية الأخيرة قبل القطيعة التامة



في ظرف يوم واحد، أرسلت الجزائر رسالتين دبلوماسيتين حاسمتين إلى الإمارات العربية المتحدة تكشفان عن عمق الأزمة التي تعصف بالعلاقات بين البلدين. الرسالة الأولى كانت قراراً سيادياً بإلغاء اتفاقية النقل الجوي. 

إقرأ أيضا: بالصور.. كأس العالم في الجزائر


وهو ما يعني عملياً إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطيران الإماراتي، فيما جاءت الرسالة الثانية على لسان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون نفسه، في تصريحات نارية خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، لوّح فيها صراحة بإمكانية الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك.

وهذا الأبعد الذي أشار إليه الرئيس ليس بالأمر البعيد على الإطلاق، بل هو قريب جداً، ولا يفصلنا عنه سوى قرار واحد حاسم: قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل بين البلدين.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة يمكن تجاوزها ببيان توضيحي أو اعتذار شكلي. بل هو تتويج لسلسلة طويلة من الخلافات الاستراتيجية العميقة التي تراكمت على مدى سنوات، وتمتد جذورها من ليبيا شرقاً إلى منطقة الساحل جنوباً، ومن السودان إلى القضية الفلسطينية، ومن محاولات شراء الانتخابات إلى دعم الحركات الانفصالية، في نمط ممنهج من التدخل المرفوض في الشؤون الجزائرية يكشف عن استراتيجية إماراتية واضحة المعالم تهدف إلى عرقلة الدور الجزائري الإقليمي وزعزعة الاستقرار في محيطها الحيوي.

● التصعيد الذي لا رجعة عنه

جاء قرار إلغاء اتفاقية النقل الجوي بين الجزائر والإمارات كصاعقة في سماء العلاقات الثنائية، وإن كان البعض يراه خطوة متوقعة في ضوء التصعيد المتواصل خلال الأشهر الماضية.


فإغلاق المجال الجوي أمام طيران دولة ما ليس مجرد إجراء إداري روتيني يمكن اتخاذه بخفة، بل هو قرار استراتيجي بامتياز يُتخذ عادة في حالات الأزمات الدبلوماسية الحادة التي تصل فيها العلاقات إلى مرحلة حرجة لا يمكن فيها الاستمرار بالأعمال الاعتيادية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة حين ندرك أن الجزائر، التي تُعرف بحكمتها ودبلوماسيتها الهادئة، لم تلجأ إلى مثل هذا الإجراء الحاد إلا نادراً في تاريخها الدبلوماسي الطويل، مما يعني أن الأمر قد تعدى بكثير مجرد خلاف عابر أو سوء تفاهم يمكن تجاوزه، ليصل إلى حد الأزمة البنيوية العميقة التي تهدد بانهيار كامل للعلاقات.

وبهذا القرار، تكون الجزائر قد أرسلت رسالة واضحة لا لبس فيها مفادها أن السيادة الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف، وأن أي محاولة للمساس بالأمن القومي الجزائري أو التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد سيواجَه بردود حازمة وفورية لا تتردد في استخدام كافة الأدوات المتاحة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو لوجستية.

إن إغلاق المجال الجوي لا يُمثل فقط عقوبة اقتصادية على شركات الطيران الإماراتية التي ستخسر حركة النقل عبر الأجواء الجزائرية الشاسعة، بل هو أيضاً رسالة رمزية بليغة تقول إن الجزائر لم تعد مستعدة لتقديم أي تسهيلات لدولة تعتبرها معادية وتعمل ضد مصالحها الحيوية في كل الملفات الإقليمية.

● دويلة لا دولة: الرئيس تبون يُجرّد الإمارات من وزنها السياسي أمام الشعب

لم تكن تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية أقل حدة من قرار إغلاق المجال الجوي، بل كانت في الواقع أكثر دلالة على عمق الأزمة وخطورتها وعلى حالة الغضب الجزائري الرسمي من الممارسات الإماراتية.


فقد تطرق الرئيس إلى الإمارات دون أن يذكرها بالاسم صراحة في بداية حديثه، لكنه لم يترك أي مجال للشك أو التأويل حين وصفها بعبارة قاسية ومهينة لم تستخدمها الدبلوماسية الجزائرية من قبل، حيث قال إنها ليست دولة بل دويلة، في إشارة واضحة لا تقبل التأويل إلى أن الجزائر لا تعترف بالوزن السياسي الذي تدعيه أبوظبي لنفسها في المنطقة، ولا ترى فيها سوى كيان صغير يحاول أن يلعب دوراً أكبر من حجمه الحقيقي مستغلاً ثروته المالية ونفوذه لدى بعض القوى الغربية.

وقال الرئيس بلغة بسيطة مباشرة ونبرة لا تخلو من السخرية والاستهزاء إن علاقات الجزائر جيدة مع الجميع دون استثناء، إلا مع دولة واحدة، ومن الممكن أن نسميها دويلة، تحاول في كل مرة إثارة المشاكل والفتن، وحاولت التدخل بشكل سافر في انتخابات الجزائر الرئاسية الأولى والثانية.

وهنا تكمن خطورة هذا التصريح وأهميته البالغة، إذ أنه يكشف عن اتهام مباشر وصريح للإمارات بارتكاب جريمة التدخل في العملية الديمقراطية الجزائرية، وهو أمر يمس صميم السيادة الوطنية ويشكل خرقاً فاضحاً وانتهاكاً صارخاً لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ تعتبره الجزائر من الثوابت المقدسة التي لا يمكن المساومة عليها أو التساهل بشأنها.

● من فمّ الرئيس: لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه

وأضاف الرئيس تبون بنبرة تحدٍّ صريحة وواضحة لا تقبل أي تأويل أو تفسير مخفف، إن الإمارات قد هددت الجزائر بأنها ستعمل على إفقارها من خلال اللجوء إلى التحكيم الدولي.

ورد عليها بعبارة حاسمة قال فيها: فلتلجأ إلى ذلك إن شاءت، ثم أردف بتحذير قاس ومباشر قائلاً: لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه. وفي هذه العبارة الأخيرة التي اختار الرئيس كلماتها بعناية فائقة تكمن رسالة واضحة بليغة مفادها أن الجزائر غير خائفة البتة من أي تهديدات اقتصادية أو قانونية أو سياسية قد توجهها الإمارات، وأنها مستعدة تماماً لتحمل أي تبعات أو عواقب مهما كانت قاسية في سبيل الحفاظ على كرامتها الوطنية وسيادتها الكاملة واستقلالها التام في اتخاذ قراراتها.

إن عبارة الندم على معرفة الإمارات تحمل في طياتها إشارة واضحة إلى إمكانية اتخاذ خطوات أكثر قسوة في المستقبل، بما في ذلك كشف ملفات وفضائح قد تكون الجزائر على علم بها ولم تستخدمها بعد، أو حتى العمل على عزل الإمارات دبلوماسياً وإقليمياً من خلال تحالفات جديدة مع دول أخرى تشاركها نفس القلق من السياسات الإماراتية التدخلية.

إن الرئيس تبون، المعروف بهدوئه واتزانه الدبلوماسي، لم يكن ليستخدم مثل هذه اللغة الحادة والقاسية لو لم يكن واثقاً تماماً من قوة موقفه ومن دعم الشعب الجزائري له في هذا الصراع مع دولة صغيرة تحاول أن تفرض إرادتها بالمال والنفوذ.

● من ليبيا إلى القبائل: كيف حفرت الإمارات قبر علاقتها مع الجزائر؟

يمثل الملف الليبي بلا شك أحد أخطر وأعمق نقاط الخلاف والصدام بين الجزائر والإمارات، إذ تتبنى كل من الدولتين رؤية مختلفة تماماً، بل متناقضة في جوهرها، حول كيفية معالجة الأزمة الليبية المستعصية التي تستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011 وحتى اليوم دون أن يلوح في الأفق أي حل نهائي مستقر.


فبينما تتمسك الجزائر بثبات ودون أي مساومة بنهج الحل السياسي الشامل والجامع الذي يضم كافة الأطراف الليبية دون استثناء أو إقصاء، وترفض رفضاً قاطعاً وحاسماً فكرة دعم طرف واحد على حساب الأطراف الأخرى أو المساهمة بأي شكل من الأشكال في تقسيم البلاد أو تفتيتها إلى كيانات متصارعة.

نجد أن الإمارات قد سلكت مساراً مغايراً تماماً ومعاكساً بشكل صارخ، يقوم في أساسه على تقديم الدعم العسكري المباشر وغير المشروط لقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا، وعلى محاولة فرض حل عسكري للأزمة الليبية بالقوة المسلحة والسلاح.

وهذا التباين الصارخ في المقاربة والنهج ليس مجرد اختلاف بسيط في التكتيكات الدبلوماسية أو في الأساليب الإجرائية التي يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم، بل يعكس في الحقيقة تناقضاً عميقاً وجوهرياً في الفلسفة السياسية والمنظومة القيمية لكلا البلدين:

فالجزائر تنطلق من مبدأ راسخ وثابت يقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية وحق شعوبها في تقرير مصيرها بنفسها، وترى أن الحلول المفروضة بالسلاح والقوة العسكرية لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مزيد من الفوضى والدمار والتفتيت والانقسامات التي يصعب ترميمها لاحقاً.

بينما ترى الإمارات على ما يبدو أن فرض الأمر الواقع عسكرياً ودعم الأقوى على الأرض هو السبيل الأنجع والأسرع لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وفرض نفوذها الإقليمي.

وقد وصل هذا الخلاف العميق والمتجذر إلى ذروته الأكثر حدة في عام 2022 حين عارضت الإمارات، بشكل صادم ومفاجئ للكثيرين، تعيين وزير الخارجية الجزائري السابق والسفير الحالي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الدبلوماسي المخضرم صبري بوقادوم، مبعوثاً أممياً خاصاً إلى ليبيا، رغم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كان قد اقترح اسمه بناءً على خبرته الطويلة في الملف الليبي ومعرفته العميقة بتفاصيله وتعقيداته.

وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس الفرنسية الموثوقة في ذلك الوقت نقلاً عن دبلوماسي رفيع المستوى طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب واضحة تتعلق بحساسية الموضوع، فإن الإمارات وحدها دون غيرها هي التي رفضت بشكل قاطع تعيين الوزير الجزائري السابق.

وقد برّرت موقفها هذا بطريقة ملتوية بالقول إن دولاً عربية غير محددة وأحزاباً ليبية غير معروفة أعربت عن معارضتها لهذا التعيين، في محاولة واضحة وفاضحة لإخفاء دوافعها الحقيقية المتمثلة في منع الجزائر من لعب دور محوري في الملف الليبي وراء ستار زائف من الإجماع العربي أو الليبي المزعوم.

● مالي تحترق والإمارات تموّل النار: المال الإماراتي يشتري الميليشيات

لا يقل ملف منطقة الساحل الإفريقي خطورة وحساسية عن الملف الليبي بالنسبة للأمن القومي الجزائري والمصالح الحيوية للبلاد، إذ تشكل هذه المنطقة الشاسعة والممتدة العمق الاستراتيجي الجنوبي للجزائر وحزام الأمان الطبيعي لها.


كما أن حدود الجزائر مع دول الساحل مثل مالي والنيجر تمتد على مساحة جغرافية ضخمة وشاسعة يصعب السيطرة عليها بشكل كامل ومحكم من الناحية الأمنية والعسكرية.

وهنا أيضاً، وفي هذا الملف الحساس والحيوي، تتهم الجزائر الإمارات بشكل مباشر وواضح باستخدام المال السياسي الوفير كأداة رئيسية لإثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في المنطقة، وخاصة في منطقة شمال مالي الصحراوية حيث تنشط جماعات مسلحة وحركات انفصالية متعددة ومتنوعة تسعى كل واحدة منها لتحقيق أجندتها الخاصة على حساب وحدة الدولة المالية واستقرارها.

فبينما تعمل الجزائر منذ سنوات طويلة وبجهود دؤوبة ومتواصلة على التوسط الصادق والنزيه بين الحكومة المالية المركزية في باماكو والحركات الأزوادية في الشمال.

وتسعى جاهدة ودون كلل أو ملل للوصول إلى تسويات سياسية شاملة وعادلة تحفظ وحدة مالي وسيادتها وتمنع تحولها إلى دولة فاشلة تصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية المتطرفة التي تهدد الأمن الإقليمي بأسره، تتهم تقارير دولية موثوقة ومصادر استخباراتية متعددة ومتقاطعة الإمارات بتقديم دعم مالي سخي ودعم لوجستي وربما عسكري لبعض الفصائل المسلحة بالمال والسلاح والذخيرة، مما يؤجج الصراع بشكل خطير ويطيل أمد الأزمة ويجعل الحل السياسي أكثر صعوبة وتعقيداً.

وهذا السلوك الإماراتي المدمر والعدواني لا يقتصر ضرره وتداعياته السلبية على مالي وحدها، بل ينعكس بشكل مباشر وفوري على الأمن القومي الجزائري نفسه.

● السودان: دعم مزعوم لقوات الدعم السريع في حرب مدمرة تُسيل الدماء

أضاف الملف السوداني المشتعل طبقة جديدة ومعقدة من التعقيد والتوتر إلى العلاقات الجزائرية الإماراتية المتأزمة أصلاً، خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية الدامية والمدمرة بين الجيش السوداني النظامي بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وقوات الدعم السريع شبه العسكرية بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف شعبياً باسم حميدتي.


فبينما اتخذت الجزائر منذ اللحظة الأولى لاندلاع القتال موقفاً واضحاً ومبدئياً ومتسقاً مع مبادئها التاريخية يدعو إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار والعودة الفورية إلى طاولة الحوار والمفاوضات السياسية، وفتحت أبوابها على مصراعيها لاستقبال اللاجئين السودانيين الفارين من جحيم الحرب وتقديم كافة أشكال المساعدات الإنسانية العاجلة لهم دون أي تمييز أو شروط.

تشير تقارير دولية متعددة ومتقاطعة صادرة عن مصادر موثوقة، بما في ذلك تقارير رسمية صادرة عن خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية معتبرة، إلى أن الإمارات تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً ومالياً كبيراً لقوات الدعم السريع.

وهذا الدعم، يعني أن أبوظبي تساهم بشكل مباشر وفعال في إطالة أمد حرب أهلية مدمرة ووحشية أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء وشردت ملايين آخرين من ديارهم، وحولت السودان الكبير إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي والدولي حيث تتقاتل الميليشيات بالوكالة عن قوى خارجية لها مصالحها ومطامعها الخاصة.

إن الموقف الجزائري الثابت والواضح من الأزمة السودانية ينطلق من قناعة راسخة وعميقة بأن الحلول العسكرية مهما كانت سرعتها أو فعاليتها الظاهرية لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مزيد من الدمار الشامل والفوضى العارمة والانقسامات المجتمعية العميقة.

وأن الشعب السوداني الشقيق هو وحده دون غيره من يملك الحق الكامل والمطلق في تقرير مستقبل بلاده واختيار نظام الحكم الذي يناسبه دون أي تدخل خارجي أو إملاءات إقليمية أو دولية.

● غزة تُباد والإمارات تطبّع: الخيانة التي لا تغفرها الجزائر

لعل القضية الفلسطينية المقدسة تمثل دون أدنى شك نقطة الافتراق الأكثر جوهرية والأعمق تأثيراً بين الجزائر والإمارات، إذ تختلف الدولتان اختلافاً كلياً وجذرياً في موقفهما من الصراع العربي الصهيوني الممتد منذ عقود .


ومن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني التي أصبحت خط فاصل حاد بين المعسكرات العربية المختلفة. فالجزائر، التي خاضت حرب تحرير وطنية ضارية وطويلة ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم امتدت لسبع سنوات ونصف من النضال المرير ودفعت ثمناً باهظاً جداً من دماء أبنائها الشهداء الذين قدمت منهم مليوناً ونصف المليون شهيد في سبيل الاستقلال والحرية.

تتعامل مع القضية الفلسطينية العادلة من منظور أخلاقي وإنساني وتاريخي عميق الجذور، وترى في نضال الشعب الفلسطيني المظلوم ضد الاحتلال الصهيوني امتداداً طبيعياً ومباشراً لنضالها الخاص ضد الظلم والقهر والاستعمار.

ولهذا السبب العميق والمبدئي، رفضت الجزائر رفضاً قاطعاً وحاسماً وبدون أي مواربة أو تردد الانخراط في أي مشاريع للتطبيع مع الكيان الصهيوني مهما كانت الإغراءات الاقتصادية أو الضغوط السياسية التي تمارس عليها.

وظلت ملتزمة بثبات تام بموقفها التاريخي الثابت والراسخ الذي يشترط بوضوح كامل إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية وقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من جوان عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة كشرط مسبق وغير قابل للتفاوض لأي علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني.

وفي المقابل الصارخ، كانت الإمارات العربية المتحدة في طليعة الدول العربية التي سارعت إلى التوقيع على اتفاقيات أبراهام المشؤومة للتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني في عام 2020.

وقد جاء هذا التطبيع المخزي تحت ذرائع واهية وحجج فارغة لا تصمد أمام أي تمحيص منطقي أو أخلاقي، تتحدث عن ضرورة توظيف الدبلوماسية والحوار في ما فشل فيه الخيار المسلح، وهي حجج كشفت حرب الإبادة الجماعية الوحشية في قطاع غزة المحاصر منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم عن زيفها التام وبطلانها المطلق بشكل لا يقبل أي جدال أو نقاش.

فقد أثبتت الأحداث الدامية والمروعة في غزة بما لا يدع مجالاً للشك أن التطبيع مع الكيان الصهيوني لم يحمِ الفلسطينيين من القتل والتشريد ولم يحقق لهم أي مكاسب سياسية حقيقية أو ملموسة على الأرض، بل على العكس تماماً، شجع الكيان الصهيوني على مزيد من التطرف والعنف والاستهتار بالقانون الدولي والقرارات الأممية. إن هذا الخلاف العميق والجوهري حول القضية الفلسطينية ليس مجرد اختلاف عابر في السياسات الخارجية.

● النفخ في جثة ميتة: أموال إماراتية لحركة انفصالية وهمية

من أخطر الملفات وأكثرها حساسية التي تثير غضب الجزائر العارم واستياءها العميق والشديد من الممارسات الإماراتية الخبيثة، هو ما تعتبره الجزائر محاولات إماراتية ممنهجة ومستمرة لدعم ما يسمى شكلياً وزوراً بحركة استقلال منطقة القبائل، وهي في الحقيقة ليست أكثر من مجموعة انفصالية هامشية ضئيلة العدد ومعزولة تماماً لا تمثل بأي حال من الأحوال سوى حفنة صغيرة جداً من الأفراد المنبوذين المتواجدين في المنافي والخارج ولا تملك أي قاعدة شعبية حقيقية أو تأييد جماهيري ولو ضئيل داخل الجزائر نفسها.

وقد استخدم الرئيس تبون في تصريحاته تعبيراً بليغاً ودقيقاً للغاية في وصف هذه المحاولات الفاشلة حين قال إنها تشبه النفخ عبثاً في جثة ميتة ومتعفنة، في إشارة واضحة ومباشرة إلى أن هذه الحركة الانفصالية الوهمية ميتة سريرياً منذ زمن طويل ولا يمكن إحياؤها أو بعثها من جديد مهما ضُخّت فيها من أموال طائلة ودعم خارجي سخي.

إن المساس بوحدة التراب الوطني الجزائري المقدس يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه بأي حال من الأحوال ومهما كانت الظروف أو المبررات، وأي محاولة خبيثة لدعم الانفصاليين الخونة أو منحهم شرعية دولية زائفة أو توفير منابر إعلامية لهم أو تمويل أنشطتهم التخريبية تُعتبر بشكل قاطع وحاسم عدواناً مباشراً وصريحاً على سيادة الدولة الجزائرية وأمنها القومي واستقرارها الداخلي.

وما يزيد من خطورة هذا الملف الشائك والحساس للغاية هو أنه يأتي في سياق إقليمي ودولي أوسع يشهد محاولات متعددة ومتكررة لتفتيت الدول الكبرى والقوية في المنطقة العربية والإسلامية وإضعافها وتقسيمها من خلال إثارة النعرات المناطقية الضيقة والعرقية البغيضة والطائفية المقيتة.

وهو نهج استعماري قديم متجدد شهدناه بأم أعيننا ورأينا نتائجه الكارثية في العراق الجريح وسوريا المدمرة وليبيا الممزقة واليمن المنكوب.

● شراء الأصوات الجزائرية: الجريمة الإماراتية في انتخابات 2019

كشف الرئيس تبون في تصريحاته الصريحة والجريئة أمام وسائل الإعلام الوطنية عن اتهام خطير للغاية وبالغ الحساسية للإمارات بمحاولة التدخل السافر والمباشر في الانتخابات الجزائرية، وتحديداً في الانتخابات الرئاسية التاريخية لعام 2019 التي جرت في ظروف استثنائية معقدة في خضم الحراك الشعبي السلمي الكبير الذي شهدته الجزائر وأسقط نظام بوتفليقة، وفي انتخابات رئاسية أخرى لم يحددها الرئيس بالتفصيل الدقيق ولكن الإشارة إليها كانت واضحة ومفهومة.


وبحسب ما كشفته مصادر متعددة ومستقلة وموثوقة في ذلك الوقت، فقد تم رصد ومتابعة دور إماراتي مشبوه ومريب للغاية في دعم واحد من المرشحين الرئاسيين في انتخابات 2019، من خلال تمويل حملته الانتخابية بسخاء وتوفير دعم إعلامي ضخم ومكثف له عبر منصات ووسائل إعلام عديدة تمولها أبوظبي بشكل مباشر أو غير مباشر وتستخدمها كأبواق دعائية لخدمة أجنداتها السياسية.

إن التدخل الأجنبي في الانتخابات الوطنية لأي بلد يشكل انتهاكاً صارخاً وفاضحاً لمبدأ السيادة الشعبية المقدس ولحق الشعب الجزائري الأصيل والثابت في اختيار ممثليه وقادته بحرية كاملة ومطلقة دون أي ضغوط أو تأثيرات أو إملاءات خارجية.

وما يزيد من خطورة هذا الاتهام الجسيم وجديته البالغة هو أنه يأتي في سياق نمط إماراتي معروف ومكشوف على المستوى الإقليمي والدولي من التدخل السافر والمستمر في الشؤون الداخلية للدول العربية والإفريقية، سواء من خلال دعم انقلابات عسكرية مباشرة، أو تمويل أحزاب ومرشحين وشخصيات معينة تخدم المصالح الإماراتية، أو استخدام وسائل الإعلام الضخمة والقوة الناعمة الهائلة للتأثير على الرأي العام وتوجيهه في اتجاهات محددة مسبقاً.

إن الجزائر، التي قطعت شوطاً طويلاً ومهماً في مسيرتها الديمقراطية الصعبة وعملت بجد واجتهاد على بناء مؤسسات دستورية قوية ومستقلة.

● من دبي إلى أبوظبي: عروض براقة لشراء عقول الشباب الجزائري

في السنوات الأخيرة القريبة، تطورت الأساليب والأدوات الإماراتية في محاولتها المستمرة للتأثير على الجزائر والتغلغل في مجتمعها، حيث لجأت أبوظبي بذكاء ماكر إلى استخدام ما يعرف في علم السياسة بالقوة الناعمة.

وهي مجموعة من أدوات التأثير الثقافي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي التي لا تعتمد على القوة العسكرية الصلبة. وقد تمثل ذلك بشكل واضح وملموس في حملة ممنهجة لاستقطاب واستغلال شباب جزائري موهوب ونشط وطموح وذو تأثير كبير في منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

من خلال تقديم عروض مغرية وبراقة ومدهشة للعمل في مشاريع توصف ظاهرياً بأنها ثقافية أو إعلامية أو فنية أو تقنية، مع رواتب ضخمة ومزايا استثنائية تفوق بكثير ما هو متاح في السوق الجزائرية. لكن الملاحظ والمثير للشكوك والريبة هو أن هذه المشاريع المزعومة غالباً ما تكون غامضة المعالم والأهداف وغير واضحة الغايات النهائية أو المآلات البعيدة، مما يثير تساؤلات جدية حول نواياها الحقيقية ودورها الفعلي في خدمة أجندات سياسية مخفية.

● الجزائر التي حرّرتها الدماء لن تستعمرها الأموال

تنطلق السياسة الخارجية الجزائرية المستقلة من مجموعة من المبادئ الثابتة الراسخة التي لا تقبل المساومة أو التفاوض تحت أي ظرف من الظروف، وفي مقدمة هذه المبادئ يأتي مبدأ احترام سيادة الدول الكاملة وعدم التدخل المطلق في شؤونها الداخلية مهما كانت المبررات أو الذرائع المستخدمة.


وهذا المبدأ الأساسي ليس مجرد شعار دبلوماسي جميل تردده الجزائر في المحافل الدولية والمؤتمرات الإقليمية للاستهلاك الإعلامي، بل هو قناعة عميقة جداً متجذرة نابعة من التجربة التاريخية المريرة والقاسية للجزائر نفسها على مدى قرن وثلاثة عقود من الاستعمار الفرنسي الغاشم.

فالجزائر التي عانت الأمرين من الاستعمار الفرنسي البشع لمدة 132 عاماً كاملة من القهر والظلم والاستغلال، ودفعت ثمناً باهظاً جداً لا يمكن تصوره من دماء شعبها الزكية في سبيل استقلالها وحريتها، حيث قدمت مليوناً ونصف المليون شهيد بطل في حرب التحرير الوطنية المجيدة وحدها.

هذه الجزائر تدرك تماماً وبعمق لا يضاهى قيمة السيادة الوطنية الحقيقية وأهمية حماية حق الشعوب المقدس في تقرير مصيرها بنفسها دون وصاية أحد أو تدخل خارجي من أي نوع.

ولهذا السبب العميق والمبدئي، فإن الجزائر تتعامل بحساسية بالغة وشديدة مع أي محاولة مهما كانت صغيرة أو كبيرة للتدخل في شؤونها الداخلية، أو في شؤون دول الجوار الصديقة، وترفضها رفضاً قاطعاً وحاسماً لا يقبل التأويل أو المساومة.

وهذا المبدأ الثابت ينطبق على جميع الدول دون استثناء أو تمييز، سواء كانت دولاً كبرى عظمى أم دولاً صغرى ضعيفة، دولاً صديقة قريبة أم دولاً غير صديقة بعيدة.

إن الجزائر لا تقبل بأن تتدخل هي في شؤون الآخرين مهما كانت الأسباب أو المغريات، وبالمقابل العادل لا تقبل بتاتاً بأن يتدخل أحد مهما كان في شؤونها الخاصة.

● العشرية السوداء علّمتنا: الحوار يبني والسلاح يدمّر

مبدأ آخر أساسي وجوهري في السياسة الخارجية الجزائرية المستقلة هو الإيمان العميق الراسخ بأن الحلول السياسية السلمية والدبلوماسية القائمة على الحوار الجاد هي السبيل الوحيد الناجع والصحيح لمعالجة الأزمات المختلفة والنزاعات المتنوعة مهما كانت معقدة أو مستعصية، وأن استخدام القوة العسكرية المفرطة أو فرض الحلول بالسلاح والعنف لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مزيد من الدمار الشامل والفوضى العارمة ويطيل أمد المعاناة الإنسانية بشكل رهيب.

وهذه القناعة الثابتة ليست نظرية مجردة أو أفكار مثالية طوباوية، بل تنبع مباشرة من تجربة الجزائر الخاصة المريرة والقاسية خلال ما يعرف بالعشرية السوداء في التسعينيات من القرن الماضي، حين واجهت البلاد إرهاباً دموياً وحشياً كاد أن يمزق نسيجها الاجتماعي المتماسك ويدمر مؤسساتها الوطنية العريقة ويقضي على مستقبلها بالكامل. وقد نجحت الجزائر العظيمة في تجاوز تلك المحنة الكبرى.

● السيناريوهات المحتملة للأزمة

1 ـ إغلاق السفارات وتجميد الأموال: السيناريو الأقرب للتحقق في ضوء التصعيد الحاد والخطير الذي شهدته العلاقات الجزائرية الإماراتية خلال الساعات والأيام الأخيرة. 

إقرأ أيضا: اتصالات الجزائر : هكذا يتم تحويل خط الهاتف إلى مقر الإقامة الجديد بسهولة وأمان


 وفي ظل التصريحات النارية الحادة للرئيس تبون والإجراءات العملية الحازمة التي اتخذتها الجزائر بالفعل، يبدو سيناريو القطيعة الكاملة الشاملة للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين هو السيناريو الأكثر ترجيحاً وواقعية في المدى القريب جداً، ربما خلال أيام أو أسابيع قليلة قادمة، ما لم تحدث معجزة دبلوماسية.

 

الوسوم:

عن المدونة

kamel Gsm مدونة صفحة المحترف تقنية تحتوى على مجموعة دروس ودورات فى مجالات تقنية مختلفة مثل دروس أنظمة التشغيل والبرامج والالعاب وبلوجر وفوتوشوب وتطبيقات أندوريد والربح من الانترنت وغيره من الشروحات المميزة تأسست مدونة صفحة المحترف عام 2017 وبفضل الله نالت اعجاب الكثير

0 تعليق على موضوع : “لا تجعلونا نندم”: الرسالة الجزائرية الأخيرة قبل القطيعة التامة

  • اضافة تعليق
  • يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق

    ● أن لا تضع أي روابط خارجية
    ● أن يكون التعليق خاص بمحتوى التدوينة
    ● أي سؤال خارج محتوى التدوينة يرجى تواصل معنا : من هنا
    ● يمكنك تعليق بإستخدام صور ✋👇👆👍👎✋
    ● (( "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ))

    download drivers USB
    تــــــــحــمــــيل جــــــــــــميع اصــــــــــــدارات برنامج SP Flash Tool
    SP Flash Tool | Search Ads
    sponsored by: pageprodz
     

    طريقة التحميل من موقع صفحة المحترف
    شارك موقعنا مع أصدقائك
    للمزيد من البرامج والتحديثات والأخبار التقنية انضم إلى معجبي صفحتنا الرسمية على فيسبوك من هنا
    واشترك في قناتنا الرسمية على اليوتوب من هنا
    ** تقديرًا لجهودنا ودعمًا للموقع.. يُرجى مشاركة المقال عبر أزرار المشاركة الاجتماعية بالأسفل **
    ***** تم بحمد الله *****
    {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}
    اشتراك في القناة

    إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

    إتصل بنا

    تابعونا عبر الفيس بوك

    مرات مشاهدة الصفحة

    ملفات تخطي الحماية لهواتف كوندور

    موقع صفحة المحترف

    حمل تطبيقنا الأن

    حمل تطبيقنا الأن

    جميع الحقوق محفوظة لـ

    صفحة المحترف

    2025

    ❤️

    صمم من طرف

    kamel