♥ بـسـم الله الـرحمـن الـرحـيـم ♥
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُ بِهِ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَسْتَنْصِرُه
وَ نَعُوذُ بِالْلهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
مَنْ يَهْدِهِ الْلهُ تَعَالَى فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الْلهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، صَلَّى الْلهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا
أزمة بداية رمضان في فرنسا : خلاف منهجي أم قطيعة مؤسسية؟
في مساء الثلاثاء 17 فيفري 2026، الموافق لـ 29 شعبان 1447 هـ، اجتمعت اللجنة الدينية لمسجد باريس الكبير في مقرها بالدائرة الخامسة من العاصمة الفرنسية. وبعد مداولات قصيرة، أعلن الرئيس شمس الدين حافظ على إثرها عبر بيان رسمي أن أول أيام شهر رمضان المبارك هو الأربعاء 18 فيفري 2026، مستنداً إلى “مشاورة المعطيات الفلكية وملاحظات القمر”
إقرأ أيضا: مباراة أشبال في فرنسا تنتهي بتوقيف 11 لاعبًا
في المقابل، كان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) قد سبق وأعلن قبل أسبوعين، في الثاني من فيفري، أن أول أيام رمضان هو الخميس 19 فيفري، مؤكداً موقفه بمجرد صدور إعلان مسجد باريس.
وجاء بيان المجلس صريحاً في تبرير موقفه: “وفقاً للبيانات العلمية، فإن شروط رؤية الهلال لن تتوفر إلا في 18 فيفري 2026، وعليه يعيد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إعلانه: الخميس 19 فيفري 2026 هو أول أيام رمضان 1447 هـ”
وجد ملايين المسلمين في فرنسا أنفسهم أمام خيار شخصي حقيقي لم يطلبوه: اتباع مرجعية تاريخية راسخة تدعوهم إلى الصيام يوم الأربعاء، أو الاقتداء بهيئة رسمية معترف بها قانونياً تدعوهم إلى انتظار الخميس.
● الموقف الفلكي: ماذا قال العلم؟
النقطة الفلكية في هذه القضية غير قابلة للجدل: انعقدت الولادة الفلكية للقمر يوم الثلاثاء 17 فيفري في تمام الساعة 13:01 بتوقيت باريس. غير أن القمر كان حينها في محاق شبه تام، أي في وضعية الاقتران مع الشمس، وتزامن ذلك مع خسوف شمسي حلقي.
ما يعني باليقين العلمي أن رؤية الهلال بالعين المجردة كانت مستحيلة فيزيائياً ليلة الثلاثاء في فرنسا وفي معظم أرجاء العالم. وقد أكد هذا الموقف صراحةً المجلس الأوروبي للإفتاء، وهيئة “هلال فرانس” المتخصصة في رصد الأهلة، وعدد من علماء الفلك المستقلين.
وعليه، فإن أول موعد فلكي ممكن لرؤية الهلال كان مساء الأربعاء 18 فيفري، مما يعني وفق منطق من يربط الصيام بالرؤية الفعلية أن رمضان لا يبدأ إلا يوم الخميس 19 فيفري.
أما من يعتمد الحسابات الفلكية مع إمكانية الرؤية في أي مكان في العالم، كما فعل الكونسيل التيولوجيك الفرنسي (CTMF)، فقد أعلن الأربعاء.
● موقف كل طرف وحججه
● مسجد باريس الكبير: الرؤية الشرعية والوحدة الجماعية
ذهب مسجد باريس إلى إعلان الأربعاء أول ايام شهر رمضان مستنداً إلى ما وصفه بـ”المنهج المختلط” الجامع بين الحسابات الفلكية وتقاليد الرؤية.
وقد دافع الرئيس شمس الدين حافظ عن هذا النهج بحجة روحية وجماعية قبل أن تكون فقهية، معتبراً أن “ليلة الشك” ليست مجرد شعيرة دينية بل “لحظة احتفالية وروحية تجمع المسلمين” ينبغي الحفاظ عليها.
يضاف إلى ذلك أن مسجد باريس يرى في التزام “ليلة الشك” ضرورةً للحفاظ على “وحدة المسلمين” في فرنسا ومنع الفوضى.
وفي هذا الإطار يتبنى المسجد تاريخياً قراءة تقريبية بين ما تسفر عنه اللجنة الدينية وبين ما تُعلنه الدول الكبرى كالسعودية.
غير أن المنتقدين يرون في هذا المنهج تناقضاً منطقياً: كيف يمكن إعلان نتيجة “مشاهدة الهلال” في أمسية ثبت فلكياً أن الرؤية كانت مستحيلة فيها؟ وقد أشار موقع “أل-كانز” المتخصص إلى أن المسجد أعلن نتيجة قبل غروب الشمس، في حين أن الرؤية لا يمكن أن تُثبت إلا بعد المغرب. ولم يوضح المسجد كيف استند إلى رصد مادي في تلك الليلة بالذات.
● المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: العلم والاستقلالية
اعتمد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية على الحسابات الفلكية الصادرة عن مرصد باريس ومنظومة “كونيسانس دي تون” العلمية الرسمية، وهي مراجع فرنسية لا خلاف على دقتها.
وأكد أن شروط رؤية الهلال في فرنسا لم تنعقد إلا ليلة الأربعاء، مما يجعل أول الشهر في منطق الرؤية الفرنسية هو يوم الخميس.
وقد استند المجلس أيضاً إلى مبدأ الاستقلالية الجغرافية، مشيراً إلى أن مسلمي فرنسا لا يُلزمون بأحكام صادرة عن حكومات أجنبية مهما بلغت مكانتها.
ويُقدّم المجلس نهجه باعتباره أوفق للسياق الفرنسي، حيث يحتاج العمال والموظفون والطلاب إلى معرفة مواعيد الشهر قبل أسابيع لتنظيم حياتهم العملية والمدرسية.
في المقابل، يُحاجج منتقدو المجلس بأن اعتماده الحصري على الحسابات دون أي احتفالية بـ”ليلة الشك” يُفقد الإعلان طابعه الجماعي والروحي، ويحوله إلى إجراء إداري بارد.
● جذور الخلاف وما وراءه
لفهم ما حدث لا بد من استحضار السياق المؤسسي: مسجد باريس الكبير انسحب رسمياً من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية عام 2020، في خضم خلافات عميقة حول آليات الحوكمة والتمثيل. منذ ذلك الحين لا يوجد إطار مشترك يجمع الهيئتين لبلوغ قرار موحد.
والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية نفسه، الذي أسسه نيكولا ساركوزي عام 2003 حين كان وزيراً للداخلية بهدف تشكيل “إسلام فرنسي” منظم، لم يسلم من توترات داخلية متجذرة بين مكوناته.
وتاريخياً ضمّ في داخله الفيدرالية الوطنية للمسلمين في فرنسا القريبة من المغرب، واتحاد المنظمات الإسلامية القريبة من التيارات الإخوانية، ومسجد باريس الكبير المرتبط بالجزائر. وقد رصد محللون من فرانس 24 هذه الطبيعة التركيبية للأزمة.
باختصار: ما نراه في 2026 ليس حادثة منفردة بل هو استمرار طبيعي لقطيعة مؤسسية بدأت قبل سنوات، وتجلت هذه المرة في أكثر التواريخ الدينية وضوحاً وحساسية.
● خلاف منهجي حقيقي لا مجرد ذريعة
رغم الخلفية السياسية والتاريخية، ينبغي الإقرار بأن الخلاف المنهجي بين الهيئتين حقيقي وراسخ، وليس مجرد تغليف لتجاذبات هوياتية.
فمسألة الاختيار بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية لإثبات أوائل الشهور القمرية خلاف فقهي قديم تعددت فيه مذاهب العلماء وتنوعت الممارسات عبر القرون، وما يزال أهل الاختصاص منقسمين حوله إلى يومنا هذا.
ثمة أيضاً سؤال مشروع حول التوقيت: الإعلان المبكر الذي يتبناه المجلس الفرنسي يُوفر يُسراً عملياً للمسلمين في بيئة غربية، بينما “ليلة الشك” التي يتمسك بها مسجد باريس تحتفظ بأثرها الروحي والجماعي.
وكلا الاعتبارين له وزنه الشرعي والاجتماعي.
● البُعد الجيوسياسي: موجود لكنه ليس القصة كاملها
لا يمكن تجاهل أن مسجد باريس تاريخياً مرتبط إدارياً بالجزائر، وأن رئاسة المجلس الفرنسي تشغلها شخصية ذات جذور مغربية.
وقد أشار تقرير فرانس 24 إلى هذا البُعد بوضوح. كما يرصد المراقبون أن إعلانات مسجد باريس تتزامن في الغالب مع إعلانات المملكة العربية السعودية.
بيد أن اختزال هذا الخلاف في مجرد “صراع جزائري مغربي” هو تبسيط مُخلّ. فالملايين من مسلمي فرنسا ذوي الأصول الجزائرية يرون في مسجد باريس مرجعيتهم الروحية الطبيعية وامتداداً لذاكرتهم الدينية، تماماً كما يرى كثير من المسلمين ذوي الأصول المغربية في المجلس مرجعاً يعبر عن حاجاتهم.
ومن يصوم الأربعاء يفعل ذلك عن قناعة دينية لا ولاءً لدولة.
● التداعيات على الجالية وعلى المشهد الديني
تجاوز الخلاف دهاليز المؤسسات الدينية ليدخل البيوت والمطاعم وأماكن العمل. وصفت فرانس 24 المشهد بالقول إن “مسلمي فرنسا لم يعودوا يعرفون أي مئذنة يتبعون”.
وفي الفضاء الرقمي، انتشرت ردود فعل الغضب من عموم المسلمين الذين عبّر أحدهم عن مشاعره قائلاً: “إنه أمر خطير جداً. والأسوأ أنهم لا يسعون للتوافق. إنه افتقار للاحترام تجاه مسلمي فرنسا”
وتجلت التداعيات العملية في صعوبة تنسيق إجازات العمل المرتبطة بالأيام الأولى لرمضان، وتعذّر تنظيم موائد الإفطار الجماعية بين أسر وجدت نفسها منقسمة بين الموعدين، فضلاً عن الحيرة التي يعيشها شباب لا يملكون أدوات الاجتهاد في المسائل الفقهية الدقيقة.
● سؤال الحوكمة الدينية في فرنسا
تطرح هذه الحادثة سؤالاً هيكلياً أعمق: هل تملك فرنسا اليوم منظومة حوكمة دينية إسلامية قادرة على إنتاج قرار موحد في مسائل تمس يومية الملايين؟ الجواب، بحسب ما تكشفه هذه الأزمة، هو لا. فالفراغ الناجم عن انسحاب مسجد باريس من المجلس لم يُملأ، وظل كل طرف يتصرف باستقلالية تامة دون أي آلية للتشاور.
ويرى بعض المراقبين أن الحل يكمن في إعادة بناء إطار تشاوري يجمع الهيئتين قبل كل موعد ديني كبير، لا بالضرورة للتوحيد الكامل في المنهج، ولكن على الأقل لتجنب الإعلانات المتضاربة.
في حين يذهب آخرون إلى أن المسألة أعمق من آليات التنسيق، وتتعلق بحاجة “الإسلام الفرنسي” إلى مرجعية دينية أوسع قبولاً تنشأ داخل فرنسا وتعكس تعددية الجالية لا أجنداتها الخارجية.
● الخسارة أكبر من مجرد اختلاف
ما جرى هذا العام ليس هو خلاف بين مؤسستين دينيتين انفرطت بينهما عرى التنسيق منذ 2020، تتبنيان منهجين مختلفين في إثبات الشهور القمرية، ولا تجمعهما اليوم أي آلية لبلوغ قرار مشترك.
في هذه المعادلة، لا يجوز الحكم على أيٍّ من الطرفين بالخطأ المطلق. مسجد باريس يدافع عن رؤية روحانية وتقليد ديني عريق، وله قاعدة شعبية واسعة تُقدّر هذا الدور.
والمجلس الفرنسي يدافع عن علمية القرار واستقلالية الإسلام الفرنسي عن التأثيرات الخارجية، وله حجة قانونية ومنطقية متماسكة. الأزمة تكمن في غياب آلية تجمعهما، لا في وجود أحدهما.
إقرأ أيضا: 24 ساعة تفصل عن غلق إجراءات حج 1447هـ
والخسارة الحقيقية ليست في تفاوت يوم واحد بين مسلم وآخر في بداية الصيام. الخسارة الحقيقية هي في رصيد الثقة الذي يتآكل كل عام في المؤسسات الدينية، وفي شعور الملايين بأنهم ورقة في لعبة لم يُدعوا إليها.









0 تعليق على موضوع : أزمة بداية رمضان في فرنسا : خلاف منهجي أم قطيعة مؤسسية؟
يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق
● أن لا تضع أي روابط خارجية
● أن يكون التعليق خاص بمحتوى التدوينة
● أي سؤال خارج محتوى التدوينة يرجى تواصل معنا : من هنا
● يمكنك تعليق بإستخدام صور ✋👇👆👍👎✋
● (( "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ))